من هواجس الشّعر في ديوان المحضار
د/ عبدالله حسين البار
ذمّ الدّنيا والشّكْوى من الدّهر
يذكر أبومحمّد عبدالله بن مسلم بن قُتَيْبَة في الجزء الأوّل من كتابه ( الشّعر والشّعراء ) : ( أنّ أبا عمرو بن العلاء قال : أوّلُ شعرٍ قيل في ذمّ الدّنيا قولُ يزيد بن خذّاق :
هل للفتى من بنات الدّهر من واقي أم هل لهُ من حِمام الموتِ من راقي
قد رجّلوني وما بالشَّعْرِ مـن شَعَثٍ وألبسـوني ثيـاباً غيـرَ أخـلاقِ
ورفّعـوني وقالـوا : أيّما رجـلٍ وأدرجوني كـأنّي طـيّ مخـراقِ
وأرسلوا فتيةً من خيرهـم نسبـاً ليسبدوا في ضريح القبر أطبـاقي
وقسّموا المالَ وارفضّت عوائدهم وقال قائلهـم : مات ابنُ خذّاقِ )
وهي من ( المفضّليّات ) .. وقد نُسِبَتْ ثمَّ للممزّق العبديّ ، وتحقيق نسبتها إلى ابن خذّاق أولى كما يصرّح بذلك النّصّ .
والواقع أنَ الشكوى من الدّهر وذمّ الدنيا بمن فيها وما فيها هاجسٌ ترنّم به الشعراء من زمانٍ قديمٍ ، وتعدّدت بواعثه في أشعارهم .. فمنهم من شكا الدّهر وذمّ الدّنيا لطول إقامته فيها ، وكأنّ عمره الطّويل عبءٌ ثقُلَ عليه حملُه ، وعجز عن الخلاص منه . قال عمرو بن قميئة :
كـأنّي وقد جاوزتُ تسعين حجّةً خلعت بها يوما عذار لجــامي
على الراحتيـن مرّةً وعلى العصا أنـوء ثـلاثا بعدهنّ قيامــي
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى فكيف بمن يرمى ولي بـــرام
فلو أنّهـا نبـلٌ إذاً لاتقيتهـــا ولكنّني أرمـى بغير سهـــام
إذا مـا راني الناس قالوا : ألم تكن حديثاً جديد البزّغير كهـــام
وأفنى وما افني من الدهـر ليـلـة ولم يغن ما افنيت سلك نظــام
وأهلكني تأميــــل يـوم وليلة وتأميـل عـام بعـد ذاك وعام
ومنهم من ذمّها لعجزه عن منازلتها كما كان يفعل من قبل . قال :
رمتني وستر الله بيني وبينهـا عشيــة أرآم الكناس رميمُ
رميم التي قالت لجارات بيتها ضمنتُ لكم أن لا يزال يهيمُ
ألا رُبَّ يومٍ لو رمتني رميتها ولكنّ عهـدي بالنضال قديمُ
ومنهم من شكا الدّهر وذمّ الدنيا لمصائبَ نزلت به حرمته ممّا يحبّ ، فرأى ما يكره ، فلم يملك من وسيلةٍ يصون بها عزّة نفسه سوى الشّكوى من الزّمان وذمّ ما استجدّ في حياته من أمورٍ وأحوال . قال البحتريُّ :
صنت نفسي عمّا يدنس نفسي وترفعّتُ عن جـدا كـلِّ جبسِ
وفيها ما مستملح الأشعار ما لا يفوت إدراك جماله ومحاسنه على غير لبيبٍ فما بالك به ؟ وحسبي أنْ أذكر لك منها قوله :
وكأنّ الزمان أصبح محمولاً هواه مع الأخسِّ الأخسِّ
ولهذا صلةٌ بما نحن فيه خائضون. وما ذكرته لك إلاّ لأنّ فيه نبضاً يرنّ صداه في طوايا وجدانك المتيقّظ. ولكن عدِّ عن ذا وتأمّل في آخرين من أمثاله شكوا الدّهر وذمّوا الدّنيا لأنّ مطامحهم كانت أكبر من قدراتهم ، فراموا مالا يستطيعون بلوغه ، وظفر غيرهم بما راموه وتمنّوه ، وهو أقلّ منهم منزلةً ، وأدنى إحساساً بالحياة . كما نجد من شكوى مترادفة ينفثها أبو الطّيّب في شعره :
رمـاني الدّهر بالأرزاء حتّى كأنّ غشاءَ قلبي من نبــالِ
فصرتُ إذا أصـابتني سهامٌ تكسّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ
و:
كيف السّبيلُ من الخطوبِ تخلّصاً من بعد ما أنشبن فيّّ مخالبــا
أفردنني ووجدن حــزناً واحداً متناهياً فجعلنه ليَ صاحبـــا
أظمتني الدّنيـــا فلمّا جئتُها مستسقياً مطرت عليَّ مصائبـا
ومنهم من عرف من الآيّام بهجتها ، واستقرّت في نفسه ذكرياتٌ طيّبةٌ عنها، ولكنّ حال الدّنيا حويلٌ والأيّام قلّبٌ .. فإذا رام مدح ما غبر من زمانه آده حاضره بأعباء ثقالٍ فانشغل بذمّ الزّمان الحاضر عن مدح ماضيه الجميل المونق . قال أبو العلاء:
كم أردنا ذاك الزّمانِ بمدحٍ فشُغِلْنا بذمِّ هذا الزمّانِ
ولقد تزداد الشّكوى مرارةً تصل حدّ التأفّف من الحياة وما فيها حين يدرك المرء ما يعانيه مجتمعه من أوضاعٍ مقلوبةٍ لا نجاة منها ما دام هو عاجزاً ، والقادرون لا يعون ما يرون ، وإذا وعوا صمّوا وعموا عنه أو شاركوا في توكيد صور القبح فيه ، وأسهموا في صنعها وكأنّها غايةٌ مبتغاة . ولك فيما قال أبو العلاء في (لزوميّاته) أدلّةٌ لم يخفَ عمقها مداها على قرّاء شعره في أدوار التاريخ .
صورٌ متعدّدةٌ لهاجسٍ واحدٍ . فماذا في شعر المحضار منه ؟ وماذا نزل بالمحضار من مصائبَ جعلته يشكو الدّهر ، ويذمّ الدّنيا ؟ وكيف استطاع التعبير عن ذلك كلّه في شعره المغنّى ؟ وهل استطاع أن يجمع بين شعرٍ تترنّم به الشِّفاه ، ومعانٍ مظلمةٍ سوداء تستعصي على التّرنّم والغناء ؟
ألحقّ أنّ المحضار شكا في شعره الدّهر وذمّ الدّنيا وتأفّف من الزّمان حتّى يخيّل للمرء أنّ المحضار جاء الحياة ليكابد فيها المشاقّ ،ويعاني من ويلاتها ألواناً . فبدت حياته صراعاً لا يكاد ينتهي أو يكفّ . وغدت لحظات الفرح والهناء في شعره ومضاتِ تترك أصداءً في أذن الزّمان لأنّها مختلسةٌ في غفلةٍ منه . ومن هنا نفهم لِمَ المحضار كثير السؤال عن غياب الفرح في حياتنا كما في قوله :
أين الفرح ؟ ولّى زمانه راح قليل في دنيا النّدم نفرح
واللي انجرح ما يجتبر يا صاح إلاّ إذا لاقى العلاج الصّح
الصّحّ ما حد قط من ماشي يصيح
وتأمّل ما في هذا اليقين من مرارةٍ وألمٍ ( قليل في دنيا النّدم نفرح) . فهي إذاً شكوى مريرةٌ من الزمّان لا تنقطع ، وهو تأوّهٌ ينبعث من أعماق النفس كاشفاً عن ألمٍ دفينٍ كمن في الأحشاء وأبى أن يبارحها .
ولقد يشكو المحضار شكوى الضّعيف من كائنٍ ميتافيزيقيّ عملاقٍ لا يقوى عليه كما في قوله :
قسا علي دهري لقى بئس الفعال يا بوي كم قاسيت من دهري وفعله
غصباً سقاني المرّ من بعد الزّلال وفي معاداتي خطا حدّه وزلّـــه
تفريـق يعطينـي وجملـــه وكم يدحرجها على راسي جبـال
العقـل منّه مـال
هنا يلجأ المحضار – وهو في قمّة إحساسه بالألم اللاذع الممضّ- إلى بعض الظّواهر البلاغيّة كالتصدير والتجنيس في قوله : ( الفعال / فعله ، الزلال / زلّه ) ، والمقابلة في قوله ( تفريق وجملة ) ، والمبالغة في قوله : ( كم يدحرجها على راسي جبال ) .. ناهيك بالكنايات المتعدّدة في ثنايا النصّ . على أنّ هذا أمرٌ له حديثٌ أخر في مقامٍ غير هذا المقام . فلننظر في طبيعة هذا الدهر الذي لاقى منه المحضار ما لاقى حتّى ليكاد منه يجنّ .. ( العقل منّه مال ) .
إنّ نظرةً عابرةً لهذا النصّ تكشف لك أنّ الدّهر قد بدا كائناً ميتافيزيقياً لا قدرة للمحضار على منازلته فتوالت ضرباته عليه متلاحقةً ، والمحضار لا حول له ولا قوّة . وأعظم ما يستطيعه هو أن يتعجّب من صنيع الدهر به ، وأن يتشكّي باكياً أو يبكي متشكّياً . وأين هو من جبروت أبي الطّيّب في تحدّيه الزّمان وقد كابد منه ما كابد ، وعانى من ويلاته ما عانى ، وذلك حين قال :
ولو برز الزمانُ إليّ شخصاً لخضّب شعر مفرقه حسامي
ولكنّها نفوسٌ براها الله اشتاتاً وإن تجمعت في زمانٍ ومكانٍ مّا . لذلك تتعدّد استجابات البشر لمتغيّرات الحياة ، وتتلوّن على حسب طبائعها وتكوينها الدّاخليّ.
ولقد يتغيّر شكل الشّكوى وتتراءى تذمّراً من سلوك كائنٍ متسلّطٍ من الممكن مجابهته ومنازلته كائنةً ما كانت قوّته . لكنّ المحضار يتذرّع بالصبر ، وبشيءٍ من الرفض الصّامت حتّى تسير الأمور على هوى النّفوس ورغباتها :
البــردح من يأكلك يا الدّاح ؟ ذلاّ فضيلة عا آل با دحدح
الكيل شح ما اعتاد كيلي شاح لكنّنا باللي بقي با نشَـح
لمّا قُدُه يتعدّل الكيل الشّحيح
من هنا يبدو المحضار مقصّراً عن منازلة الدّنيا ومحاربة الزّمان . فاكتفى بعتابهما ، واستبعاد هنائه فيها أو إحساسه بالأمان ما داما على تلك السجية :
كذا تلقين يا الدّنيا ؟ تردّين الوفي عيّاب والعــايب وفي
ويبقى المعرفي منكور في عينيك والمنكور يبقى معــرفي
متى باتنصفي ؟.. عليَّ طالت المدّة وهلّ الشّهر وتناصف
بعيدٌ هو العدل عنها .. وبعيد عنها الإنصاف كذلك . ولكن أليس في مستطاع المحضار شيءً آخر يصنعه سوى هذا العتاب ال

























